السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
30
مختصر الميزان في تفسير القرآن
في اللفظ بالاستعمال . وينتج ما تقدم ان قوله : « أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي » يفيد أن المراد بالدين هو مجموع المعارف والاحكام المشرّعة وقد أضيف إلى عددها اليوم شيء وأن النعمة أياما كانت امر معنوي واحد كأنه كان ناقصا غير ذي اثر فتمم وترتب عليه الأثر المتوقع منه . والنعمة بناء نوع وهي ما يلائم طبع الشيء من غير امتناعه منه ، والأشياء وإن كانت بحسب وقوعها في نظام التدبير متصلة مرتبطة متلائما بعضها مع بعض ، وأكثرها أو جميعها نعم إذا أضيفت إلى بعض آخر مفروض كما قال تعالى : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها ( إبراهيم / 34 ) وقال : وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً ( لقمان / 20 ) . إلا أنه تعالى وصف بعضها بالشر والخمسة واللعب واللهو وأوصاف أخر غير ممدوحة كما قال : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( آل عمران / 178 ) ، وقال : وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ ( العنكبوت / 64 ) ، وقال : لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ ( آل عمران / 197 ) إلى غير ذلك . والآيات تدل على أن هذه الأشياء المعدودة نعما إنما تكون نعمة إذا وافقت الغرض الإلهي من خلقتها لأجل الانسان ، فإنها إنما خلقت لتكون إمدادا إلهيا للانسان يتصرف فيها في سبيل سعادة الحقيقية ، وهي القرب منه سبحانه بالعبودية والخضوع للربوبية ، قال تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( الذاريات / 56 ) . فكل ما تصرّف فيه الانسان للسلوك به إلى حضرة القرب من اللّه وابتغاء مرضاته فهو نعمة ، وإن انعكس الأمر عاد نقمة في حقه ، فالأشياء في نفسها عزل ، وإنما هي نعمة لاشتمالها على روح العبودية ، ودخولها من حيث التصرف المذكور تحت ولاية اللّه التي هي تدبير